في تصريح لافت أثار نقاشات واسعة في الأوساط الثقافية والسينمائية العالمية، أكدت المخرجة التونسية المرموقة كوثر بن هنية أن السينما السياسية ليست مجرد تصنيف فرعي، بل هي جوهر الفن السابع ذاته. جاءت هذه التصريحات خلال فعاليات مهرجان “ساوث باي ساوث ويست” (SXSW) المرموق في لندن، حيث شددت بن هنية على أن كل قرار يتخذه صانع الفيلم، من زاوية الكاميرا إلى اختيار البطل، يحمل في طياته موقفًا سياسيًا، حتى وإن بدا العمل بعيدًا عن القضايا السياسية المباشرة. وتجاوزت بن هنية هذا التأكيد الجوهري لتلقي الضوء على إشكالية أعمق تتعلق بكيفية تعامل الغرب مع القصص القادمة من الجنوب العالمي، واصفة إياه بـ “استهلاك مآسي الجنوب”.
هذا الطرح لا يمثل مجرد رأي شخصي لمخرجة مبدعة، بل هو دعوة صريحة لإعادة النظر في العلاقة بين الفن والسلطة، بين الرواية والهيمنة، وبين الإبداع والاستغلال. ففي عالم تتشابك فيه الروايات وتتصارع السرديات، يصبح فهم طبيعة السينما كفعل سياسي أمرًا بالغ الأهمية، خاصة عندما يتعلق الأمر بتمثيل الثقافات والشعوب التي طالما عانت من التهميش أو التنميط.
اقرأ أيضا: جوائز توني 2026: هل تحول الاحتفال إلى محاكمة علنية لـ«الحلم الأمريكي»؟
اقرأ أيضا: وعكة عبد العزيز مخيون الصحية: نظرة على مسيرة فنان أيقوني وتحديات المرحلة
اقرأ أيضا: رحيل أنتوني هيد: وداع “الحارس الهادئ” الذي صاغ أجيالاً من الدراما
خلفية تاريخية: السينما كمرآة للمجتمع
لطالما كانت السينما، منذ نشأتها، أكثر من مجرد وسيلة ترفيه. فقد ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالتطورات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها البشرية. ففي عشرينيات القرن الماضي، كانت السينما السوفيتية، على سبيل المثال، أداة قوية للدعاية الثورية، بينما استخدمت هوليوود في الأربعينيات لتعزيز الروح الوطنية خلال الحرب العالمية الثانية. وفي فترة ما بعد الاستعمار، برزت حركات مثل “السينما الثالثة” في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، التي سعت إلى تحدي السرديات الغربية المهيمنة وتقديم منظورات محلية تعكس واقع شعوبها وتطلعاتها. وتضيف تغطية aljazeera.net زاوية تفصيلية تساعد على قراءة الخبر ضمن سياقه الأوسع.
هذه الحركات لم تكتفِ بإنتاج أفلام ذات محتوى سياسي صريح، بل سعت أيضًا إلى تغيير بنية الإنتاج والتوزيع السينمائي نفسه، لكسر احتكار هوليوود وأوروبا. لقد كان الهدف هو تمكين الأصوات المحلية من رواية قصصها بأسلوبها الخاص، بعيدًا عن القوالب النمطية والتوقعات الغربية. وفي هذا السياق، يمكن فهم تصريحات كوثر بن هنية كاستمرارية لهذا التقليد العريق في السينما العالمية، مع التركيز على تحديات العصر الراهن.
كوثر بن هنية: صوت من الجنوب العالمي
تُعد كوثر بن هنية واحدة من أبرز المخرجات العربيات اللواتي تركن بصمة واضحة في المشهد السينمائي العالمي. بأعمالها الجريئة والمبتكرة، تمكنت من تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، وحصدت ترشيحات لجوائز عالمية مرموقة، بما في ذلك الأوسكار. أفلامها، مثل “الرجل الذي باع ظهره” و”بنات ألفة”، لا تكتفي بسرد قصص فردية، بل تتعمق في قضايا اجتماعية وسياسية معقدة، مثل الهجرة، الهوية، التطرف، ومكانة المرأة في المجتمعات العربية. وللاطلاع على تفاصيل تصريحاتها، يمكن مراجعة ما نشرته الجزيرة نت.
ما يميز أعمال بن هنية هو قدرتها على تقديم هذه القضايا بمنظور إنساني عميق، بعيدًا عن التنميط أو التبسيط. إنها تفتح نوافذ على عوالم قد تكون مجهولة للكثيرين، وتدعو المشاهد إلى التفكير النقدي في المفاهيم المسبقة. هذا النهج يتوافق تمامًا مع رؤيتها للسينما كفعل سياسي، حيث لا ينفصل الفن عن الواقع المعيشي والتحولات الكبرى التي تشهدها المجتمعات.
ما الذي تغير: تجديد النقاش حول التمثيل السينمائي
تصريحات بن هنية في مهرجان بحجم SXSW، الذي يُعرف بكونه ملتقى عالميًا للثقافة والإبداع، ليست مجرد ترديد لمقولات قديمة حول السينما السياسية. بل هي تجديد للنقاش في سياق عالمي متغير، حيث تزايد الوعي بقضايا التمثيل العادل والتنوع والشمولية. إنها تسلط الضوء على عدة نقاط محورية: يُعد مهرجان "ساوث باي ساوث ويست" منصة عالمية بارزة تجمع الفن والتكنولوجيا والموسيقى.
- التأكيد على اللا حيادية: بن هنية تدحض فكرة الفن المحايد أو “الفن للفن”، وتؤكد أن كل عمل فني ينبع من رؤية معينة للعالم، وبالتالي يحمل موقفًا سياسيًا ضمنيًا أو صريحًا.
- نقد “النظرة الغربية”: عبارة “الغرب يستهلك مآسي الجنوب” تعبر عن نقد حاد للطريقة التي غالبًا ما يتم بها تناول قصص الجنوب العالمي في السينما الغربية. فبدلاً من فهم هذه القصص في سياقها الثقافي والاجتماعي المعقد، يتم اختزالها أحيانًا إلى مجرد استعراض للمآسي والمعاناة، مما يخدم نظرة استشراقية أو إنسانية سطحية لا تسعى إلى التغيير الحقيقي.
- أهمية السرد الذاتي: تصريحاتها تعزز فكرة أن شعوب الجنوب يجب أن تكون هي صاحبة الحق في سرد قصصها، وتحديد زوايا الكاميرا، واختيار أبطالها، لضمان أصالة الرواية وتجنب التشويه أو التنميط.
في عصر العولمة الرقمية، حيث تتسارع وتيرة انتشار الصور والمعلومات، يصبح التأثير السياسي للسينما أكثر قوة. فصورة واحدة أو فيلم واحد يمكن أن يشكل تصورات مجتمعات بأكملها عن ثقافات وشعوب أخرى، مما يجعل مسؤولية صانعي الأفلام أكبر من أي وقت مضى.
التأثيرات المحتملة: نحو سينما أكثر عدلاً وشمولية
يمكن أن يكون لتصريحات كوثر بن هنية، وما تمثله من رؤية، آثار بعيدة المدى على صناعة السينما العالمية والعربية على حد سواء: وللتعرف أكثر على أعمال المخرجة التي حظيت بتقدير عالمي، يمكن زيارة موقع أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة.
على صناع الأفلام في الجنوب العالمي
قد تشجع هذه التصريحات المزيد من المخرجين والكتاب في الجنوب العالمي على احتضان البعد السياسي في أعمالهم، وعدم الخوف من تحدي السرديات المهيمنة. إنها دعوة لتبني منظور أصيل يعكس التعقيدات الثقافية والاجتماعية والسياسية لبلدانهم، بدلاً من السعي لإرضاء توقعات المهرجانات الغربية أو لجان التحكيم التي قد تبحث عن “صورة معينة” للجنوب.
على المهرجانات والمؤسسات السينمائية الدولية
تضع تصريحات بن هنية ضغطًا غير مباشر على المهرجانات السينمائية والمؤسسات الداعمة للإنتاج السينمائي لإعادة تقييم معاييرها. هل تساهم هذه المؤسسات عن غير قصد في “استهلاك المآسي”؟ هل تدعم الأصوات التي تقدم رؤى حقيقية ومعقدة، أم تفضل الأفلام التي تتوافق مع تصورات معينة عن الجنوب؟ هذا يفتح الباب لمراجعة سياسات التمويل والاختيار، لضمان تمثيل أكثر عدلاً وتنوعًا.
على الجمهور العالمي
يمكن أن تزيد هذه التصريحات من وعي الجمهور العالمي بالآليات التي تعمل بها السينما كأداة سياسية. عندما يشاهد الجمهور فيلمًا قادمًا من الجنوب، قد يصبح أكثر قدرة على التفكير النقدي في كيفية تقديم القصة، ومن يرويها، وما هي الرسائل الضمنية التي تحملها. هذا الوعي النقدي ضروري لتجاوز الاستهلاك السلبي للصور نحو فهم أعمق وأكثر تعاطفًا.
قراءة تحليلية: تحدي هيمنة السرد
إن جوهر تصريحات بن هنية يكمن في تحدي هيمنة السرد. فالسرد، في جوهره، هو شكل من أشكال القوة. من يملك القدرة على سرد القصة، يملك القدرة على تشكيل الواقع وتحديد المعاني. في سياق السينما العالمية، طالما كان السرد الغربي هو المهيمن، مما أدى إلى تشكيل صور نمطية عن الجنوب العالمي، غالبًا ما تكون مبنية على الجهل أو التحيز.
عندما تتحدث بن هنية عن “استهلاك المآسي”، فإنها تشير إلى ظاهرة حيث تُقدم المعاناة الإنسانية كسلعة ثقافية، تُستهلك من قبل جمهور لا يمتلك بالضرورة الأدوات لفهم الأسباب الجذرية لهذه المآسي أو للتعامل معها بشكل بناء. هذا الاستهلاك قد يؤدي إلى شعور زائف بالتعاطف دون أن يؤدي إلى تغيير حقيقي، بل قد يعزز أحيانًا فكرة أن الجنوب هو مجرد بؤرة للمشاكل التي تحتاج إلى “إنقاذ” من الخارج.
إن السينما، في رؤيتها، يجب أن تكون أداة لتحرير السرد، لتمكين الأصوات المهمشة من التعبير عن ذاتها بكرامة وعمق. هذا لا يعني بالضرورة إنتاج أفلام “دعائية”، بل يعني إنتاج أفلام تعكس تعقيدات الواقع الإنساني، وتتجاوز النظرة السطحية، وتدعو إلى التفكير النقدي. أعمال بن هنية نفسها خير دليل على ذلك، فهي لا تهرب من المآسي، بل تتعمق فيها لتقديم رؤى متعددة الأبعاد، وتطرح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات جاهزة.
في هذا الإطار، فإن الزخم الذي تخلقه مخرجات مثل كوثر بن هنية، يساهم في إحداث تحول تدريجي في المشهد السينمائي العالمي، نحو مزيد من الأصالة والتنوع في الرواية. هذا التحول ليس مجرد رفاهية فنية، بل هو ضرورة ثقافية وسياسية لبناء عالم أكثر عدلاً وتفهمًا، عالم تُحترم فيه الروايات المختلفة وتُقدر الأصوات المتنوعة.
خلاصة عملية: نحو مستقبل سينمائي أكثر وعيًا
تُعد تصريحات المخرجة كوثر بن هنية بمثابة جرس إنذار وتذكير بأهمية الدور الذي تلعبه السينما في تشكيل وعينا بالعالم. إنها دعوة صريحة لصناع الأفلام، والمؤسسات الثقافية، والجمهور، لإعادة التفكير في العلاقة بين الفن والسياسة، وبين السرد والسلطة.
فالسينما ليست مجرد صناعة للصور المتحركة، بل هي منصة قوية للتعبير عن الهوية، وتحدي الظلم، وتشكيل الوعي الجمعي. إن تبني مفهوم السينما السياسية، بالمعنى الذي طرحته بن هنية، يعني الاعتراف بأن كل عمل فني يحمل في طياته رؤية للعالم، وموقفًا من قضاياه. وهذا يتطلب من الجميع، من المبدعين إلى المشاهدين، مقاربة نقدية وواعية للإنتاج السينمائي، لضمان أن تكون الشاشة الكبيرة مرآة تعكس التنوع البشري بكل تعقيداته، وليست مجرد أداة لتكريس الصور النمطية أو استهلاك المآسي.






