لطالما كانت المواجهة مع طهران محوراً رئيسياً في الخطاب السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومكوناً أساسياً في مسيرته الطويلة على رأس السلطة. فهل نجح هذا النهج في تحقيق المكاسب السياسية المرجوة، لا سيما في ظل التطورات الأخيرة؟ تقرير لمراسلة شبكة CNN، تال شاليف، يسلط الضوء على تأثير حرب إيران على نتنياهو ومستقبله السياسي في إسرائيل، كاشفاً أن التصعيد الأخير لم يحمل له النتائج الانتخابية التي كان يطمح إليها، مما يثير تساؤلات حول فعالية استراتيجيته.
في تحليل عميق، يتبين أن رئيس الوزراء الإسرائيلي كان يعول على هذه المواجهة الإقليمية لتغيير السردية الداخلية بعد الإخفاقات الأمنية الكبيرة التي شهدتها بلاده. لكن يبدو أن حساباته لم تكن دقيقة تماماً، وأن الشارع الإسرائيلي يرى المشهد من زاوية مختلفة. هذا المقال يستكشف الأسباب الكامنة وراء عدم ترجمة الصراع مع إيران إلى دعم شعبي لنتنياهو، معتمداً على استطلاعات الرأي وتحليل السياق السياسي المعقد في إسرائيل.
اقرأ أيضا: انفراجة دبلوماسية: شروط مصرية للسفير السوري تفتح آفاقاً جديدة للعلاقات
اقرأ أيضا: حاملة الطائرات الأمريكية قبالة عُمان: دلالات التموضع المتزامن مع رفع الحصار عن إيران
اقرأ أيضا: أحكام راشد الغنوشي: ملف سياسي وقانوني يثير الجدل في تونس
رابط خارجي: المصدر الأصلي: arabic.cnn.com
عقيدة نتنياهو: إيران كحجر زاوية في مسيرته
منذ عقود، شكل الملف الإيراني وتحديات برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي، ركيزة أساسية في الأجندة السياسية لبنيامين نتنياهو. لقد بنى زعيم حزب الليكود جزءاً كبيراً من صورته كـ “حامي إسرائيل” على قدرته على التصدي لما يعتبره تهديداً وجودياً من طهران. هذا التوجه تُرجم إلى سياسات صارمة، وخطابات تحذيرية متواصلة أمام المحافل الدولية، وحتى عمليات عسكرية سرية ومعلنة. كانت هذه الاستراتيجية تهدف إلى حشد الدعم الداخلي والخارجي، وتقديم نفسه كالقائد الوحيد القادر على قيادة إسرائيل في مواجهة هذه التحديات المعقدة.
مسيرة سياسية مبنية على المواجهة
على مدار فترات حكمه المتعددة، كان نتنياهو يرى في إيران الخصم الأبرز الذي يمكن أن يوحد الصفوف الإسرائيلية وراءه. فكلما تصاعد التوتر مع طهران، كان يعتقد أن ذلك سيعزز من مكانته كقائد قوي وحاسم. لقد استثمر نتنياهو بشكل كبير في هذه الرواية، مقدماً نفسه على أنه صانع القرار الأقدر على التعامل مع ملفات الأمن القومي الحساسة، خاصة تلك المتعلقة بالقوة الإيرانية المتنامية. كان هذا المحور الأمني يمنحه تفوقاً على منافسيه السياسيين، الذين غالباً ما كانوا يُتهمون بالضعف أو عدم الواقعية في التعامل مع التهديدات الخارجية.
صدمة السابع من أكتوبر وتبدل الأولويات
غيرت أحداث السابع من أكتوبر 2023 المشهد السياسي والأمني في إسرائيل بشكل جذري. لم تكن الصدمة مقتصرة على الخسائر البشرية الفادحة، بل امتدت لتطال الشعور بالأمن والثقة في القيادة. لقد اهتزت الثقة في المؤسسات الأمنية والسياسية على حد سواء، وواجه نتنياهو نفسه انتقادات شديدة بسبب فشل حكومته في توقع الهجوم ومنع تداعياته الكارثية. هذا الإخفاق غير المسبوق ألقى بظلاله على كل الحسابات السياسية، وجعل الأولويات تتغير لدى الشارع الإسرائيلي.
تداعيات كارثة أمنية غير مسبوقة
بعد السابع من أكتوبر، تحول التركيز العام من التهديدات الإقليمية البعيدة إلى الأمن الداخلي المباشر، ومصير الرهائن المحتجزين في غزة، وإعادة بناء الثقة في القيادة. أصبحت القضايا المتعلقة بالحرب في غزة، وتكلفة الدمار، ومستقبل القطاع، هي الشغل الشاغل للمواطنين. في هذا السياق، كان نتنياهو يرى في التصعيد مع إيران فرصة لإعادة توجيه الانتباه، وربما استعادة بعض من بريقه السياسي المفقود من خلال إظهار القوة والحسم على جبهة أخرى. كان الأمل هو صياغة رواية جديدة تُمكنه من تجاوز إخفاقات الماضي القريب.
التصعيد الأخير: رهانات نتنياهو ومكاسب لم تتحقق
عندما شنت إسرائيل وحلفاؤها تحركات عسكرية ضد إيران قبل بضعة أشهر، كانت هناك توقعات بأن هذا التصعيد قد يصب في مصلحة نتنياهو السياسية. كان التصور هو أن إظهار القوة ضد الخصم الإقليمي الأكبر سيُعيد له بعض الشرعية والثقة التي خسرها بعد أحداث أكتوبر. لقد كان نتنياهو يتخيل سيناريو يرى فيه شرق أوسط جديداً، حيث تُفرض معادلات قوة مختلفة، وحيث يمكنه تقديم قصة نجاح للإسرائيليين لتجاوز صدمة السابع من أكتوبر.
سيناريو “الشرق الأوسط الجديد” الذي لم يكتمل
كانت رؤية نتنياهو تتضمن إعادة تشكيل المشهد الإقليمي، وربما تعزيز التحالفات الإقليمية ضد إيران، مما يعزز موقفه كقائد استراتيجي. لكن التطورات لم تسر كما كان مخططاً. فسرعان ما تدخلت القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لاحتواء التصعيد ومنع تحوله إلى حرب إقليمية واسعة النطاق. هذه التدخلات قلصت من هامش المناورة الإسرائيلي، وربما أثرت على مدى قوة الرد الذي كان نتنياهو يرغب في تقديمه. إن الإعلان عن وقف التصعيد أو التخفيف منه، كما أشارت بعض التقارير، قد يكون قد أفشل جزءاً من خطته لإعادة بناء صورته.
استطلاعات الرأي: صورة مغايرة للتوقعات
على الرغم من التصعيد العسكري، أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة أن تأثير حرب إيران على نتنياهو لم يكن إيجابياً بالقدر الذي توقعه. بل على العكس، لم تُسجل أي قفزة ملحوظة في شعبيته أو في دعم حزبه. ظلت مستويات الثقة به متدنية، واستمرت المعارضة في كسب التأييد. هذا يشير إلى أن الجمهور الإسرائيلي لم ير في المواجهة مع إيران حلاً سحرياً لمشاكله الداخلية، أو تعويضاً عن الإخفاقات السابقة. يبدو أن الأولويات قد تحولت، وأن التركيز بات منصباً على قضايا أخرى أكثر إلحاحاً.
لماذا لم ينقذ التصعيد نتنياهو سياسياً؟
تتعدد الأسباب التي تفسر لماذا لم ينجح التصعيد العسكري ضد إيران في تعزيز مكانة نتنياهو السياسية. يمكن تلخيص هذه الأسباب في عدة نقاط رئيسية تعكس تحولات عميقة في المزاج العام الإسرائيلي وفي السياق الإقليمي والدولي.
تحول المزاج العام الإسرائيلي
بعد السابع من أكتوبر، أصبح الجمهور الإسرائيلي أكثر حساسية تجاه قضايا الأمن الداخلي والمسؤولية القيادية. لم يعد المواطنون يبحثون عن “انتصارات” خارجية مجردة، بل عن حلول حقيقية لمشكلاتهم اليومية، وعودة الرهائن، وضمانات بعدم تكرار ما حدث. في هذا السياق، قد يُنظر إلى المواجهة مع إيران على أنها محاولة لتشتيت الانتباه عن الإخفاقات الداخلية، أو كخطوة قد تزيد من المخاطر الأمنية بدلاً من تقليلها. كما أن التكلفة الاقتصادية والاجتماعية للحرب في غزة قد استنزفت جزءاً كبيراً من صبر الشارع، مما يجعلهم أقل استعداداً لدعم مغامرات عسكرية إضافية.
دور الولايات المتحدة والقيود المفروضة
لعبت الولايات المتحدة دوراً حاسماً في احتواء التصعيد ومنع اتساعه. إن رغبة واشنطن في تجنب حرب إقليمية شاملة فرضت قيوداً على حرية حركة إسرائيل. هذا التدخل الأمريكي، سواء عبر القنوات الدبلوماسية أو من خلال تحديد سقف للرد الإسرائيلي، قد يكون قد أثر على قدرة نتنياهو على تحقيق “النصر الساحق” الذي كان يراهن عليه. عندما يكون هناك شعور بأن القوى الخارجية تفرض قيوداً على السيادة أو على طبيعة الرد، فإن ذلك قد يقلل من التأثير الإيجابي المتوقع على الرأي العام الداخلي، وقد يُنظر إليه على أنه فشل في إدارة الأزمة بشكل مستقل وحاسم.
المستقبل السياسي لنتنياهو: بين تحديات الداخل وضغوط الخارج
يواجه بنيامين نتنياهو حالياً واحدة من أصعب الفترات في مسيرته السياسية. فمن ناحية، هناك ضغوط داخلية متزايدة من عائلات الرهائن، ومن المعارضة، ومن جزء من الشارع الذي يطالب بانتخابات مبكرة. ومن ناحية أخرى، هناك ضغوط دولية متصاعدة بشأن الأوضاع الإنسانية في غزة، ومستقبل حل الدولتين، والعلاقات مع الحلفاء التقليديين.
المعارضة والانتخابات المحتملة
تستغل المعارضة الإسرائيلية، بقيادة شخصيات مثل بيني غانتس ويائير لابيد، كل فرصة لتسليط الضوء على إخفاقات حكومة نتنياهو. تشير استطلاعات الرأي باستمرار إلى أن المعارضة ستحقق مكاسب كبيرة في حال إجراء انتخابات اليوم. إن عدم قدرة نتنياهو على تحويل التصعيد مع إيران إلى رصيد سياسي يعزز من موقف المعارضة، ويجعل الدعوات لإجراء انتخابات مبكرة أكثر قوة. هذا يضع نتنياهو في موقف حرج، حيث يضطر إلى الموازنة بين الحفاظ على ائتلافه الهش وتلبية مطالب الشارع، مع مواجهة تحديات أمنية وإقليمية لم تتوقف.
خلاصة: معادلة صعبة لرئيس الوزراء
في الختام، يظهر تحليل تأثير حرب إيران على نتنياهو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يواجه تحديات سياسية عميقة لا يمكن حلها بمجرد تصعيد عسكري خارجي. لقد تغيرت الأولويات في إسرائيل بشكل كبير بعد صدمة السابع من أكتوبر، وأصبح الجمهور يبحث عن قيادة قادرة على توفير الأمن الحقيقي، وإعادة الثقة، وتقديم حلول مستدامة. إن استراتيجية نتنياهو التي طالما اعتمدت على شيطنة إيران كـ “التهديد الأكبر” لم تعد كافية لحشد الدعم الشعبي أو لإعادة بناء صورته السياسية. يبدو أن مستقبل نتنياهو السياسي سيتوقف على قدرته على التعامل مع هذه التحولات الداخلية، وليس فقط على إدارته للصراعات الإقليمية.




